فخر الدين الرازي
107
الأربعين في أصول الدين
ذلك الوجه ، لكان التقصير من المكلف ، حيث جزم لا في موضع الجزم . وكذا هاهنا انه تعالى إذا أظهر المعجزة على وفق الدعوى في حق الكاذب ، فهو وان كان يوهم أن المراد منه تصديق ذلك المدعى ، الا أنه يكون المراد : القاء هذه الشبهة حتى يحترز المكلف منها ، فيعظم ثوابه بسبب الاحتراز عن هذه الشبهة . وإذا كان هذا محتملا ، فلو قطع المكلف بأن الغرض منه : تصديق المدعى ، لكان التقصير منه لا من الله تعالى ، حيث قطع لا في موضع القطع . واعلم : أنه لا جواب على أصول المعتزلة عن هذه المعارضة . والوجه الثاني في الجواب عن هذا السؤال : انا نقدم على ذكر المقصود مقدمة ، فنقول : ان الشيء قد يكون جائز الوقوع في نفسه ، ومع ذلك فانا نعلم علما ضروريا أنه غير واقع ، ألا ترى أنا نجوز دخول شخص في الوجود من غير أبوين ، ونجوز أن يدخل في الوجود شيخ هرم ، من غير سبق الطفولية والشباب والكهولة ، ثم انا إذا أبصرنا انسانا شيخا ، علمنا بالضرورة : أنه متولد من الأبوين ، وأنه كان طفلا ثم صار شابا ثم صار شيخا . وكذا القول في جميع الأمور العادية . إذا عرفت هذا فنقول : انا قد بينا : أن دلالة المعجزة على أن خلق المعجز لصدق المدعى ، معلوم بالضرورة . كما ضربنا من المثال في اظلال الجبال . أقصى ما في الباب : أن يقال عنه : يجوز أن لا تكون المعجزة مخلوقة لغرض آخر وهو الاطلال . الا أنا نقول : ان الشيء إذا علم وجوده بالضرورة ، لم يكن تجويز نقيضه ، يقدح في ذلك العلم الضروري . كما بيناه في هذه المقدمة . وأما قوله سادسا : « إنكم أثبتم الحكم في الشاهد بالدوران ، ثم قستم الغائب عليه » .